تطوان : المغرب360
بقلم : د. أحمد درداري
يزداد الصراع بين المشرّع والمناخ كتحد وجودي، وذلك من خلال صراع السياسات العمومية مع إملاءات المناخ، حيث تسعى القوانين للحد من الكوارث والتكيف مع آثار التغير المناخي، في زمن تتفاقم فيه الظواهر المناخية المربكة لحسابات الحكومات والدول بما تتوفر عليه من موارد وإمكانيات ، وهو ما يخلق صدمات مزدوجة تضعف قدرة الدول وتعيق جهود الاستدامة، حيث فرضت الأزمات والكوارث المناخية تفعيل مبدأ التزام جميع المواطنين بالتضامن في تحمل أعباء الآفات والكوارث الطبيعية، ومواجهتها بشكل يتناسب مع قدرتهم ووسائلهم. عملا بمبدأ التضامن الوطني والمسؤولية الجماعية في مواجهة الأزمات الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالكوارث المناخية والبيئية.
ذلك انه بالعودة إلى مضمون الفصل 40 من الدستور المغربي نجد المشرع الدستوري قد استحضر الأزمات وفرض على الجميع تحمل، وبصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفر عليها المواطنين، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد. إلا أن ذلك يبقى غير كافي ولا يرقى إلى المستوى الذي يناسب حجم الكوارث المناخية والقدر المطلوب لتنمية التضامن الوطني في فترة الأزمات، رغم أن الفصل كرس مبدأ التعاون بين مختلف مكونات المجتمع والدولة للمساهمة في تنمية البلاد.
ويفتقر هذا الفصل لتحديد حجم الكوارث، والمنهجية المتبعة لمواجهتها، والتدقيق في شروط وكيفية تقديم المساهمة وتحديد القدرة والوسائل بما يراعي التفاوت في الدخل والوضعية الاجتماعية للمواطنين من جهة، وتمييز التضامن التنموي عن التضامن لمواجهة الكوارث.
فمواجهة الكوارث بمقاربة فريدة لتدبير أزمات استثنائية سواء كانت وبائية أو مناخية او طبيعية، تتطلب تحديد شروط ومعايير التضامن أو المساهمات التضامنية في وقت الأزمات على المستوى الوطني ومعالجة آثار الكوارث وما ينتج عن التضامن من مشاكل و تبعات .
وعلى المستوى الترابي يؤكد الفصل 136 من الدستور المغربي (2011) على أن التنظيم الجهوي والترابي للمملكة يرتكز على مبادئ التدبير الحر، والتعاون والتضامن، ويضمن مشاركة السكان في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة. لكن التضامن الترابي لا يرتبط بالأزمات المتضمنة في الفصل 40 من الدستور، بل تم حصره في المشاركة في التنمية التي ترتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العادية.
وعليه اصبح الإرهاب المناخي والتطرف البيئي يفرضان على الدولة مأسسة التضامن والتضحية والتكافل بدءا من تخصيص باب في الدستور للتضامن ودليل تفصيلي، لكون هذه المبادئ مهمة في الحالة الاستثنائية التي تختلف عن الظروف العادية للتمتع بالحقوق وتضيق فيها الحريات بشكل كبير.
فالمجتمع المغربي مشهود له بالتضحية والسخاء بالوقت والمال، طوعا ودون مقابل، لأجل مساعدة الغير، باعتباره سلوكاً إنسانياً يسعد الآخرين.
كما انه مؤمن بالتكافل كنظام اجتماعي وتضامني إسلامي يقوم على مبدأ تعاون الأفراد والمجتمع لكفالة بعضهم بعضا، وتقاسم الأعباء المادية لضمان مستوى معيشي لائق، ويشمل التكافل في المجتمع المغربي صورا كالتكافل المالي كالزكاة، والتكافل التأميني كمؤسسات التأمين. ذلك أن التكافل في الدستور المغربي لعام 2011 هو مرتكز للدولة الاجتماعية، ويهدف إلى تحقيق التضامن بين المواطنين، وتوزيع الأعباء الناشئة عن الأزمات، وضمان كرامة الفئات الهشة، حيث يلقى على عاتق الدولة والمجتمع مسؤولية ضمان الحقوق الأساسية، والتضحية في تحمل التكاليف العامة لمواجهة الكوارث.
وانطلاقا من كون التضامن مبدءا ومرتكزا أساسيا في دستور 2011 المغربي، الذي أرسى دعائم مجتمع متضامن في تصديره، يبقى الفصل 40 الذي يلزم الجميع بتحمل تكاليف تنمية البلاد وتبعات الكوارث بشكل تضامني، غير كافي لمأسسة التضامن كالتزام دستوري وطني للنهوض بالتنمية البشرية والتماسك الاجتماعي والتضامن في فترة الأزمات والكوارث ، وعليه يجب احداث ثورة في القيم الوطنية لمواجهة المخاطر ورفع التحديات عبر تخصيص باب في الدستور حول قيم التضامن في فترة الكوارث والأزمات المختلفة بدلا من إبقائها متفرقة ومبهمة وغير قابلة للتنفيذ باجراءات مضبوطة.

