القسم السياسي : محمد غفغوف
حين يُذكر اسم الراحل علي يعتة، الأمين العام لحزب حزب التقدم والاشتراكية، فإننا لا نستحضر مجرد نائب برلماني عابر، بل نستحضر قامة سياسية وفكرية طبعت الحياة البرلمانية المغربية لعقود.
انتُخب علي يعتة نائبًا برلمانيًا لعدة ولايات عن الدائرة التشريعية للمدينة القديمة بالدار البيضاء، غير أن حضوره داخل قبة البرلمان لم يكن محصورًا في حدود جغرافية ضيقة. لقد كان صوتًا وطنيًا بامتياز، يضع قضايا الحريات العامة، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وهموم العمال والفئات الشعبية في صلب مداخلاته وأسئلته.

لم يكن حضوره شكليًا، ولا مشاركته بروتوكولية. كان صوته يصدح بالحق، وكانت أسئلته تُربك الحكومات وتستفزها بجرأتها وعمقها، دفاعًا عن قضايا الوطن ككل، لا عن دائرته الانتخابية فقط، ففي زمن كانت فيه الكلمة تُحسب بميزان الذهب، كان علي يعتة يتقدم الصفوف بثبات، مؤمنًا أن النائب البرلماني ليس وسيط خدمات، بل ضمير أمة داخل مؤسسة التشريع والرقابة.
ويكفي أن نتذكر أنه، في مراحل كثيرة، كان يمثل حزبه داخل البرلمان شبه وحيد، ومع ذلك كان حضوره السياسي والرمزي يفوق في أثره فرقًا برلمانية تضم العشرات، فيعتة لم يكن يقيس الفعالية بعدد المقاعد، بل بقوة الموقف، وصلابة الحجة، ووضوح الرؤية.

عُرف رحمه الله بوطنيته الصادقة، وجرأته في قول الحق دون خوف أو تردد، وبامتلاكه لغة عربية رفيعة ومتفردة، تجعل من مداخلاته نصوصًا سياسية وفكرية بليغة، تتجاوز اللحظة إلى التاريخ، حيث كان يؤمن أن الدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة المواطن، وأن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا بل التزامًا نضاليًا.
اليوم، ونحن نستحضر هذه القامة السياسية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين نحن من نموذج برلماني يعتبر السياسة رسالة، والنضال مسؤولية أخلاقية، والكلمة أمانة؟
إن استعادة تجربة علي يعتة ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل دعوة لإعادة الاعتبار لقيمة الالتزام، ولبرلمان يُقاس فيه الحضور بعمق الأثر لا بعدد المقاعد، وبقوة الدفاع عن الوطن وقضايا شعبه لا بحسابات اللحظة.

