بقلم : محمد غفغوف
في زمنٍ يُقاس فيه الحضور السياسي بحدة الضجيج لا بعمق الأثر، يختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يراهن على ما هو أبقى من اللحظة وأصدق من الانفعال: صلابة المسار. وبين حملات التشكيك المتكررة، ومحاولات اختزال تجربة تاريخية في قراءة ظرفية، يظل الحزب واقفًا على أرضية شرعيته النضالية، لا يستجدي اعترافًا، ولا يطلب شهادة حياة من أحد.
أما قيادته الحالية، بقيادة الكاتب الأول إدريس لشكر، فقد وجدت نفسها أمام معادلة دقيقة وشائكة: كيف تُرمم ما تصدّع دون أن تُفرّط في الثوابت؟ كيف تحمي ما تبقى من رصيدٍ تنظيمي ورمزي، وتفتح في الآن ذاته أوراش تجديد حقيقية في زمن العواصف؟ لم تكن المهمة سهلة، ولم يكن السياق رحيمًا. لكن السياسة ليست تمرينًا في الراحة، بل اختبارٌ دائم لقدرة القيادة على الإمساك بالخيط الرفيع بين الواقعية والمبدأ.
قد يختلف البعض مع اختيارات تكتيكية هنا أو تموقع سياسي هناك، وهذا حق مشروع داخل كل تنظيم حي. غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الحفاظ على وحدة الحزب، وتثبيت حضوره المؤسساتي، وإعادة وصل ما انقطع مع عمقه التقدمي دوليًا، لم تكن مهامًا عابرة في مناخ سياسي يتسم بالتشظي وارتباك البوصلة. الصمود، في حد ذاته، كان فعلًا سياسيًا محسوبًا.
ليست أي قيادة فوق النقد، كما لم تكن القيادات الاتحادية السابقة كذلك. فالاختلاف جزء من تقاليد البيت الاتحادي، والنقاش الصريح أحد أعمدته. غير أن معيار التقييم ليس صخب المنابر ولا حرارة الشعارات، بل القدرة على إدارة التوازنات الصعبة، وعلى حماية المرجعية الاتحادية من الابتذال أو الذوبان. وفي هذا الميزان، يظل الاتحاد واقفًا: يفاوض حين يلزم حفاظًا على المصلحة الوطنية، ويعارض حين يجب دفاعًا عن جوهر المشروع، ويقترح دائمًا باعتباره قوة اقتراح لا مجرد رقم في المعادلة.
إن الدفاع عن الاتحاد ليس دفاعًا عن جهاز تنظيمي أو أسماء بعينها، بل عن فكرة في جوهرها: أن السياسة يمكن أن تكون التزامًا أخلاقيًا لا صفقة عابرة؛ وأن الحزب يمكن أن يكون مدرسة في المواطنة والتكوين، لا مجرد آلة انتخابية موسمية؛ وأن التاريخ، مهما ثقل، يمكن أن يتحول إلى رصيدٍ يُغذي المستقبل لا عبءٍ يُقعده. ومن يقرأ مسار الاتحاد بعيون منصفة يدرك أنه كلما أُعلن عن نهايته، عاد أكثر وعيًا بذاته، وأشد تمسكًا بخياره الإصلاحي.
قد تتبدل السياقات، وتتغير موازين القوى، وتتصاعد موجات الإحباط والتشكيك. لكن الثابت أن الاتحاد لم يكن يومًا حزب اللحظة العابرة، بل حزب المسار الطويل. ومن كان حزب المسار، لا يخيفه خصوم الأمس ولا حملات اليوم… لأنه ببساطة، جزء من نبض هذا الوطن، ومن ذاكرته السياسية التي لا تُمحى.

