فاس : محمد غفغوف
من تابع أشغال الدورة الحالية لمجلس جماعة فاس، يدرك حجم الأزمة التي تعيشها المدينة على مستوى النخبة المنتخبة، أكثر مما تعيشه على مستوى الملفات والبرامج، فالمشهد مؤلم ومخجل في آنٍ واحد: مقاعد فارغة، حضور باهت، وأعضاء من الأغلبية يأتون لتوقيع ورقة الحضور، ثم يغادرون بهدوء وكأنهم أنهوا واجبًا إداريًا في إدارة عمومية، لا جلسة تقريرية في مؤسسة دستورية تمثل سكان العاصمة العلمية.
هذه الظاهرة، التي تتكرر في كل دورة تقريبًا، لم تعد مجرد سلوك فردي معزول، بل تحولت إلى ثقافة جماعية منحرفة تعكس غياب الحس بالمسؤولية وتُجسّد كيف يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى شكل بلا مضمون. حين يصبح المقعد المنتخب وسيلة للوجاهة الاجتماعية أو وسيلة لقضاء المآرب الشخصية، فإن المدينة تكون أول الضحايا.
لقد فقدت الدورات الجماعية في فاس ما كان يُميزها في مراحل سابقة: النقاش السياسي، الصدام الفكري، الدفاع عن الملفات، والترافع الحقيقي عن مصالح المواطنين، اليوم نرى مشهدًا باردًا يشي بموات سياسي جماعي، وبأن المنتخبين يعيشون انفصالًا تامًا عن هموم الناس.
إن أخطر ما في الأمر أن الأغلبية نفسها — التي من المفترض أن تتحمل مسؤولية التسيير والتدبير — أصبحت تُمارس الغياب الممنهج أو الحضور الشكلي، في حين أن المعارضة التي كان يُنتظر منها أن تُنبه وتُحاسب، صارت بدورها غائبة أو مكتفية بالتفرج، وكأنها جزء من الصمت الجماعي العام .. اللهم إذا استثنينا بعض الأسماء.
حين يتحول حضور الدورة إلى توقيع على ورقة النصاب، يصبح ذلك إهانة للعمل الجماعي، وللمواطنين الذين منحوا أصواتهم على أمل التغيير، وهو سلوك يُفقد المؤسسة مصداقيتها، ويُغذي الإحباط الشعبي، ويُكرس العزوف الانتخابي الذي بدأ يتحول إلى ظاهرة وطنية مقلقة.
فاس ليست مجرد مدينة عادية؛ إنها ذاكرة وطنية ورمز حضاري، تستحق نخبًا تُقدّر ثقلها وتاريخها. أما أن تظل رهينة لمجالس باردة لا ترى أبعد من مصالحها الصغيرة، فهذا يعني أننا أمام انحدار خطير في مفهوم التمثيلية نفسها.
لقد آن الأوان لكي يُفتح نقاش وطني حول أخلاقيات الممارسة الجماعية، وربط المسؤولية فعليًا بالمحاسبة، لا بالشعارات. لأن من يغيب عن الدفاع عن مدينته داخل المجلس، لا يحق له أن يتحدث باسمها خارجه.
فاس لا تحتاج إلى من يوقّع… بل إلى من يُنصت، ويقترح، ويُدافع، ويُنجز.

