بقلم : محمد غفغوف
مرة أخرى، تسقط جماعة فاس في فخّ العجز والتناحر الداخلي، لتؤكد أن ما كان يُقدَّم للرأي العام كأغلبية منسجمة ومتماسكة لم يكن سوى واجهة هشة لمصالح متضاربة وأطماع انتخابية ضيقة.. غياب عدد من مستشاري الأغلبية، ومعهم ستة رؤساء مقاطعات، في لحظة حاسمة من عمر المدينة، لم يكن صدفة ولا احتجاجًا عابرًا، بل هو انعكاس طبيعي لتآكل الثقة داخل البيت الداخلي للأغلبية، وتعبير واضح عن فقدان البوصلة السياسية والتدبيرية.
والحدث الأبرز الذي فجّر الوضع هو خرجة رئيسة الفريق الاستقلالي، حليمة الزومي، التي وجّهت اتهامات صريحة لرئيس الجماعة عبد السلام البقالي بالتسيير الانفرادي والقرارات الأحادية، خرجتها لم تكن مجرد موقف شخصي، بل ناقوس خطر من داخل مكونات الأغلبية نفسها، يكشف عمق الشرخ الذي أصابها، ويضع مشروعية استمرارها موضع تساؤل كبير.
فتدبير الشأن المحلي بفاس تحوّل إلى مشهد مرتبك تغيب عنه الرؤية الواضحة والأولويات الحقيقية، فالأغلبية الحالية، التي رُوّج لها كتحالف قادر على “إقلاع المدينة”، أثبتت فشلها في إدارة الملفات الحيوية، وفي تحقيق الحد الأدنى من الالتقائية بين المقاطعات والمصالح الجماعية.. قرارات مرتجلة، وصرف عشوائي، وارتباك في المشاريع، جعل فاس مدينة تستهلك ميزانيات ضخمة دون أن ترى ساكنتها أثرًا ملموسًا على أرض الواقع.
سقوط مشروع ميزانية سنة 2026 ليس حدثًا تقنيًا، بل هو سقوط سياسي بامتياز. فالميزانية هي مرآة الرؤية الجماعية للمستقبل، وعندما يعجز المجلس عن التوافق حولها، فذلك يعني أنه فقد الإيمان بجدوى الاستمرار في صيغته الحالية.
إنها لحظة تُعرّي كل الشعارات المعلّبة عن “التنمية المحلية” و“الانفتاح على الاستثمار”، أمام واقع مجلس يجرّ المدينة نحو المجهول، بعدما استنفد كل رصيده من الثقة والشرعية.
منذ انتخابه، عاش هذا المجلس على وقع الارتجال والصراعات الخفية التي كانت تُدار خلف الكواليس بين مكونات التحالف. ومع توالي الهزّات، من شبهات الفساد المالي والإداري إلى ضعف الإنجاز في الميدان، أصبحت فاس رهينة مجلس بلا روح، بلا مشروع، وبلا جرأة سياسية.
لقد فقدت الأغلبية شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد شرعيتها السياسية، وأصبح التغيير ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل.
إن الترهّل الذي أصاب الأغلبية لم يعد يُطاق، فالمدينة التي كانت عنوانًا للعلم والحضارة لا تستحق أن تظل رهينة حسابات ضيقة وتسيير مرتجل، والمطلوب اليوم ليس مجرد ترميم التحالف، بل إعادة بناء مشروع تدبيري جديد برؤية جماعية واضحة، تضع المواطن في قلب القرار وتعيد لفاس بريقها المفقود.
ففاس اليوم تقف عند مفترق طرق: إما أن تنهض بقيادات مسؤولة وشجاعة، أو تستمر في الانحدار وسط صمت النخب وتواطؤ المتخاذلين.

