فاس : محمد غفغوف
سقوط مشروع ميزانية جماعة فاس لسنة 2026 لم يكن مفاجئًا للمتتبعين للشأن المحلي، بقدر ما كان نتيجة حتمية لمسار مترهل يطبعه الارتباك وغياب الرؤية الواقعية، فالأغلبية المسيرة وجدت نفسها في مواجهة معارضة شرسة، ولكن أيضًا في مواجهة ضعفها الداخلي الذي لم يعد خافيًا على أحد.
في جلسة مثقلة بالتوترات والمقاطعات، فشلت الأغلبية في تمرير الميزانية التي كانت تُعوّل عليها لإعادة بعض من بريقها السياسي، غير أن قراءة ما وقع تتجاوز الانقسام بين “معارضة وأغلبية”، إلى عمق الأزمة التدبيرية التي تعيشها المدينة منذ بداية الولاية الجماعية الحالية.
مصادر من داخل المجلس أكدت أن النقاش حول الميزانية اتّسم بالسطحية وانعدام الواقعية، وأن الوثيقة المالية لم تعتمد على قراءة علمية دقيقة للأولويات التنموية الحقيقية، بل صيغت في أجواء يغلب عليها الطابع الارتجالي والقرارات الأحادية، دون إشراك فعلي لباقي المكونات.
وفي هذا السياق، قال المستشار الجماعي حكيم ابن سلام عضو المعارضة عن حزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح خاص:
“سقوط الميزانية لم يكن بسبب المعارضة، بل بسبب غياب الصدقية والوضوح داخل الأغلبية نفسها، الوثيقة كانت تعكس ضبابية في الرؤية أكثر مما تعكس مشروعًا تنمويًا متكاملًا، كنا نتمنى أن تُبنى الميزانية على معطيات واقعية، ومقاربة تشاركية تنصت لمطالب الساكنة، لا أن تكون مجرّد أرقام بلا روح ولا تصور”.

وأضاف المتحدث أن المجلس يعيش على وقع “انفصام بين الخطاب والواقع”، وأن فشل تمرير الميزانية كشف أن المدينة تؤدي ثمن سوء التدبير والتنافر داخل التحالف المسير، الذي لم يعد قادرًا على ضبط إيقاعه السياسي ولا الانسجام الإداري بين مكوناته.
عدد من الفاعلين المحليين يرون أن سقوط الميزانية يعبّر عن لحظة مفصلية في مسار مجلس فاس، إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في تجاهل الأصوات المطالبة بإعادة ترتيب البيت الداخلي، ومراجعة طريقة إعداد المشاريع المالية التي تفتقر، بحسبهم، إلى الرؤية الاستراتيجية والقراءة العلمية الدقيقة.
فاس اليوم تجد نفسها أمام واقع معقّد: مجلس مشتّت، أغلبية متصدّعة، ومعارضة ترى في هذا السقوط فرصة لفضح أعطاب التسيير، وبين هذا وذاك، تظل المدينة الخاسر الأكبر في معادلة سياسية واقتصادية غائمة الملامح، تحتاج قبل كل شيء إلى وضوح في الرؤية وصدق في النية.

