بقلم : محمد غفغوف
بهدوءٍ يشبه عاصفة مؤجَّلة، خرج وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام ممثلي الأمة ليقول كلامًا لم تعتده القاعات المغلقة ولا المنصّات الرسمية. كلامٌ بدا كأنه صفّارة إنذار وجرس إيقاظ في لحظة سياسية تتّجه نحو استحقاقات 2026 بكثير من الضباب، وقليل من الوضوح.
قالها الوزير بلا تردّد: “اللي عندو شي متابعة قضائية… الله يعاونّو، ومن الأفضل غير يستاقل باش يسهّل علينا”.
جملة قصيرة، لكنها أشبه بباب يُغلق بهدوء في وجه مرحلة قديمة كانت تُسوّغ الجمع بين الطموح الانتخابي وأثقال المساطر القضائية، في مفارقة لم تعد مقبولة لا سياسيًا ولا أخلاقيًا.
ثم رفع لفتيت سقف الرسالة إلى أعلى:
“الانتخابات الجاية ما فيها لا صحبة لا مساعدات… الدولة ما غادي تعاون حتى واحد! كل واحد يلعب على قدّو… وبالقانون، ماشي بالشكّارة.”
هنا فقط فهم البعض أن الوزير لا يقدّم رأيًا عابرًا، بل يعلن عن مسطرة تنظيف واسعة، عنوانها العدل، ورهانها النزاهة، وحدودها القانون وحده.
اللغة كانت واضحة: “نقّاو البلاصة”.
وبهذا التعبير الشعبي البليغ، لخّص الوزير معركة يريد لها أن تعود إلى أصلها: صناديق تُفتح بإرادة الناس، لا بجيوب المتنافسين… وبرامج تُناقش بالعقل، لا بأوراق مالية تشتري الصمت أو الولاء.
في العمق، كان لفتيت يوجّه إنذارًا نبيلًا:
إن من يدخل الانتخابات المقبلة فعليه أن يدخلها بسلاح واحد لا ثاني له: سلاح القانون. أما ذلك السلاح القديم، الملطّخ بالغبار والريبة—سلاح “الجيب”—فقد آن أوان دفنه.
هناك، في إحدى زوايا القاعة، ربما شعر بعض البرلمانيين بأن الوزير لا يخاطبهم فقط… بل يخاطب تاريخًا من الأعطاب التي يجب إصلاحها قبل أن نضع أقدامنا في مستقبل نريد له أن يكون نظيفًا، شفافًا، ومشرفًا لهذا البلد.
ولعلّ أهم ما في الرسالة أنها لا تخصّ السياسيين وحدهم، بل تخصّ المواطن أيضًا. المواطن الذي ينتظر انتخابات تُعيد إليه ثقته في أن صوته ليس سلعة، وأن ممثليه ليسوا تجارًا، وأن الدولة ليست وسيطًا بين “الجيب” والصندوق، بل حارسًا للشرعية ومؤتمنًا على نزاهتها.
قد يتفق البعض مع الوزير أو يختلف، لكن الثابت أن صرخته هذه—الهادئة في ظاهرها، الحادّة في معناها—جاءت في وقتٍ يحتاج فيه المغرب إلى جرعة صراحة، وإلى رجة تُعيد ترتيب المشهد، وتذكّر الجميع بأن السياسة شرفٌ قبل أن تكون سباقًا نحو المقاعد.
والخلاصة كما قالها الوزير، وكما فهمها الشارع:
من أراد الترشّح فليتقدّم…
لكن بسلاح القانون لا بسلاح الجيب.

