فاس : محمد غفغوف
فاس، المدينة العريقة التي كانت تُضرب بها الأمثال في النظام والجمال، تتحول اليوم إلى نموذج حي للإهمال والفوضى المستشرية، في ظل غياب تام لإرادة الإصلاح أو حتى الإقرار بالمشاكل المتفاقمة. مظاهر الانهيار تبرز في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تحاصر الكلاب الضالة السكان في أحيائهم، وتُهدد المختلون العقليون سلامة المارة، فيما تتكدس النفايات في الشوارع بشكل يبعث على الاشمئزاز، وسط شلل شبه كلي لمنظومة النقل الحضري، وكل ذلك تحت أعين مجلس جماعي يبدو وكأنه في عطلة دائمة.

المواطنون في أحياء مثل زواغة، بنسودة، سهب الورد، وعين قادوس، يعيشون رعبًا حقيقيًا كلما غادروا منازلهم، فالكلاب الضالة تنتشر بلا حسيب، تهاجم أحيانًا وتملأ الأزقة عواءً دائمًا، دون أي تدخل فعلي من الجهات المسؤولة، التي تكتفي بمراقبة الوضع بصمت غير مفهوم. وكأن هذا الواقع لا يعنيها في شيء.
وفي الوقت ذاته، تتجول عشرات الحالات من المختلين العقليين في الشوارع، دون علاج أو مأوى، يمثلون خطرًا داهمًا على أنفسهم وعلى الآخرين، في غياب تام لمراكز الاستقبال أو برامج الرعاية النفسية، مما يكشف هشاشة السياسات الاجتماعية والصحية بالمدينة.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فإن النفايات تحوّلت بدورها إلى مشهد يومي مألوف، حيث تكتظ الحاويات وتنتشر الروائح الكريهة، دون أن يظهر أي أثر لجهود التنظيف أو مراقبة عمل شركات التدبير المفوض، مدينة بأكملها تُداس كرامتها أمام مرأى ومسمع الجميع، وكأن النظافة أصبحت ترفًا لا حقًا.

أما قطاع النقل الحضري، فحدث ولا حرج، حافلات مهترئة، غير كافية، تفتقر إلى أدنى شروط السلامة والراحة، وساكنة تنتظر لساعات في محطات تفتقر لأبسط التجهيزات، دون أي تدخل أو مبادرة للإصلاح، إنه مشهد يومي يتكرر بلا حلول، في وقت يفترض أن يكون النقل عصبًا للحياة الحضرية.
والغريب في كل هذا أن مجلس جماعة فاس يلتزم صمتًا غير مبرر، لا بيانات، لا قرارات، لا تفاعل مع شكاوى المواطنين، وكأن الأمر لا يعنيه، أو كأن سكان المدينة لا يستحقون حتى مجرد التوضيح، هذا الصمت المريب يعمّق الإحساس لدى المواطن الفاسي بأن المجلس قد تخلى عن دوره، واكتفى بالفرجة على مدينة تنهار من كل الجوانب.
فاس اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الكلام المعسول أو الخطابات السياسية الباردة، بل إلى تدخل عاجل، مسؤول، وشجاع يعيد للمدينة هيبتها، وللساكنة كرامتها، أما الصمت، فليس سوى دليل على العجز… أو التواطؤ.

