فاس : محمد غفغوف
في لحظة سياسية دقيقة، تقترب فيها البلاد من محطة انتخابية مفصلية، يطفو على السطح سؤال جوهري بفاس: هل لا يزال لحزب الاستقلال وجود حقيقي في مدينته التاريخية، أم أن النقابة وحدها هي من تحمل ما تبقى من الروح الاستقلالية؟

لقد أصبح من الواضح أن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، هذا الذراع النقابي العريق، هو من بقي صامدًا في الساحة الفاسية، يشتغل بصمت، ويدافع بشراسة عن قضايا الشغيلة، بينما اختار منتخبون وبرلمانيون استقلاليون الغياب، واكتفى تنظيم الحزب بالتجميد والتراجع.
في الوقت الذي كان يُنتظر من ممثلي الحزب أن يكونوا في الصفوف الأمامية، مستلهمين تراث الاستقلاليين المؤسسين، القريبين من نبض المواطن، اختار كثير منهم الانزواء، وتَرْك الساحة فارغة، لتملأها النقابة بحضورها الوازن، وتحركاتها الميدانية، وترافعها المستمر على هموم الطبقة العاملة.
الاتحاد العام للشغالين لم يكن مجرد ملحق تنظيمي للحزب، بل ظل لعقود عمودًا فقريًا للتماسك الاستقلالي، ومحرّكًا حقيقيًا للدينامية السياسية والاجتماعية بفاس، واليوم من يظن أن بالإمكان القفز على هذا الدور، أو تهميش رجالات النقابة، فهو لا يقرأ الواقع جيدًا، وربما يكتب عن غير وعي شهادة وفاة لما تبقى من نفَس استقلالي حقيقي في هذه المدينة.

فاس ليست مجرد دائرة انتخابية، إنها ذاكرة سياسية، وحزب الاستقلال، إن أراد استعادة مكانته، لا بد أن يعترف صراحة بأن من حافظ على جذوته مشتعلة في هذه المدينة هم أولئك النقابيون الميدانيون، لا أولئك الذين اكتفوا بالمناصب والمظاهر.
قد تكون الاستحقاقات المقبلة آخر فرصة للحزب كي يصحح المسار، ويعيد الاعتبار لمن ظلوا أوفياء للقيم الاستقلالية في الميدان، لا في الصالونات.

