فاس : محمد غفغوف
في مشهد سياسي يثير أكثر من علامة استفهام، يجد عمدة فاس عبد السلام البقالي نفسه في مواجهة مباشرة مع معارضة تحضر بكل مكوناتها، منضبطة في خطابها، موحدة في مواقفها، بينما تغيب عنه أغلبيته المفترضة، أغلبية مفككة، مترددة، بل ويمكن القول إنها في حالة تفكك بنيوي واضح.
الأكثر غرابة في هذا الوضع أن جزءًا كبيرًا من هذا الغياب مصدره حزب العمدة نفسه، التجمع الوطني للأحرار، حيث يتغير الحضور داخل الفريق بنسبة تفوق الخمسين في المائة، وكأننا أمام فريق مؤقت لا رابط تنظيمي يجمعه ولا التزام سياسي يضبط سلوكه. باستثناء قلة قليلة من أعضاء الأغلبية، وعلى رأسهم الفريق الاتحادي، يترك العمدة وحيدًا في مواجهة معارضة قوية ومنظمة، تعرف متى تصفق ومتى تهاجم ومتى تحاصر.
في المقابل، لا تخلو المعارضة بدورها من أصوات نشاز، محسوبة عليها شكليًا، لكنها في الواقع تمارس السياسة بمنطق “صوروني”، وتتعامل مع الجلسات كمسرح للكوميديا أكثر منها فضاء للمساءلة الجدية. أصوات تستعرض عضلاتها الهشة، وتبحث عن اللقطة بدل الفكرة، وعن الضجيج بدل البديل.

قد نختلف، بل نختلف فعلاً، مع طريقة اشتغال الرئيس. قد ننتقد أسلوبه في التواصل، بطء بعض المشاريع، ضعف الحضور الميداني أحيانًا، أو محدودية التفاعل مع المجتمع المدني. لكن، وبكل قدر من الموضوعية، لا يمكن إنكار أن الرجل يدافع بعزيمة عن برنامجه، وعن اختياراته، وعن ما تبقى من أغلبية مكتبه، دون أن يختبئ خلف الأعذار أو يرمي الفشل على الآخرين.
العمدة اليوم لا يواجه فقط معارضة سياسية، بل يواجه فراغًا داخليًا داخل أغلبيته، وهو وضع أخطر بكثير. فالمعارضة، مهما كانت قوية، تظل جزءًا طبيعيًا من اللعبة الديمقراطية. أما أن يشتغل الرئيس بدون سند سياسي حقيقي من فريقه، فذلك أقرب إلى إدارة مدينة كبرى مثل فاس بأعصاب فرد واحد.
الخطير في هذا المشهد ليس أن المعارضة تنتقد، فهذا دورها، بل أن الأغلبية تتفرج. أن يترك العمدة وحيدًا في لحظة تحتاج إلى التماسك، إلى الانضباط، إلى الحد الأدنى من التضامن السياسي، فذلك ليس فقط ضعفًا تنظيميًا، بل شكل من أشكال الهروب من المسؤولية.
في النهاية، لسنا هنا لتبييض صورة العمدة، ولا لمنحه صك الغفران السياسي. لكن الإنصاف يقتضي القول إن عبد السلام البقالي يقاتل في معركة غير متكافئة: معارضة منظمة من جهة، وأغلبية غائبة من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، تضيع المدينة، وتضيع معها فرص الإصلاح الحقيقي.
المشكل الحقيقي في فاس اليوم ليس فقط من يدبر شؤونها، بل من تخلى عن مسؤوليته في تدبيرها.

