بقلم : محمد غفغوف
حضرتُ اليوم الجلسة الثانية لدورة فبراير 2026 لمجلس جماعة فاس، وخرجتُ منها مثقلاً بأسئلة أكبر من جدول الأعمال، وملاحظات أعمق من محاضر الجلسة.
غياب عدد كبير من مستشاري المجلس كان أول الصدمات… بعضهم يمرّ فقط ليوقّع في ورقة الحضور ثم يغادر دون رجعة، وكأن قضايا المواطنين مجرّد تفصيل إداري، لا يستحق لا الجلوس ولا الإصغاء.
لم نسمع صوت الأغلبية في مناقشة القضايا المصيرية، ولا دفاعًا أخلاقيًا عن النقط المدرجة، ولا حتى محاولة لإقناع الرأي العام بأن ما يُتخذ من قرارات يصب فعلًا في مصلحة المدينة وساكنتها.
في المقابل، يعلو صوت البعض بالصراخ بدل الحجة، وبالاستعراض بدل النقاش. منتخبون يحضرون بمصورين خاصين لتوثيق مداخلاتهم وعرضها في منصات التواصل الاجتماعي، وآخرون يتنافسون على التصريحات للصحافة ومؤثري “الفضاء الأزرق”، بحثًا عن لايكات وبوز باهت، لا يضيف شيئًا إلى كرامة المدينة ولا إلى كرامة السياسة.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن إنكار وجود بعض الأصوات المعارضة القليلة التي تشعر، وأنت تصغي إليها، أنها تدافع عن المدينة بصدق، دون حسابات ضيقة، ودون خلفيات حزبية أو ألوان سياسية، أصوات ما زالت تؤمن بأن المجلس فضاء للترافع لا للتسويق، ولخدمة فاس لا لخدمة الذات.
افتقدنا اليوم تلك النقاشات الجادة والمسؤولة، التي كان الفرقاء يختلفون فيها باحترام، ويتجادلون فيها بنبل، لأن الهدف الأسمى كان: فاس، ولا شيء غير فاس.
أما اليوم، فوجدتُ نفسي في قاعة شبه فارغة، لا يُسمع فيها سوى صوت العمدة وبعض معارضيه، كلٌّ يدافع عن موقعه أكثر مما يدافع عن المدينة، وسط صراخ وتحياح، وكأننا في سوق أسبوعي أو حمام شعبي، لا في مؤسسة دستورية يفترض أن تُصان فيها هيبة القرار العمومي.
ليست الأزمة في الاختلاف، بل في غياب المعنى.
ليست المشكلة في المعارضة، بل في غياب المسؤولية.
وليست المأساة في ضعف الأداء، بل في تطبيع الرداءة وكأنها قدر هذه المدينة العريقة.
فاس لا تحتاج إلى نجوم فيسبوك، ولا إلى أبطال كاميرات، بل إلى منتخبين يحملون همّها في قلوبهم قبل ملفاتهم، ويخافون على صورتها أكثر مما يخافون على عدد متابعيهم.
لكِ الله يا فاس…
حين تتحول السياسة من خدمة عمومية إلى عرض رقمي، ومن نقاش مسؤول إلى صراخ مجاني، ندرك أن المدينة تُدار بالضجيج لا بالبصيرة، وبالتموقع لا بالضمير.

