فاس : المغرب 360
لم يطوِ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفاس صفحة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر بمجرد الإعلان عن النتائج، بل اختار العودة إلى تفاصيل هذه المحطة، وفتح نقاش سياسي وتنظيمي صريح حول حصيلتها، وظروفها، والاختلالات التي رافقتها، وما تفرضه المرحلة المقبلة من مراجعات واستعدادات.
فالاجتماع الذي عقدته الكتابة الإقليمية للحزب بفاس، مساء الثلاثاء 6 أكتوبر، برئاسة الكاتب الإقليمي محمد ياسر جوهر، لم يكن مجرد لقاء لتثمين النتائج أو تسجيل موقف عابر، وإنما حمل مواقف سياسية واضحة، تكشف عن رغبة في تحويل ما بعد الانتخابات إلى ورش للمراجعة وإعادة ترتيب الأولويات والاستعداد المبكر للاستحقاقات المقبلة.
البيان الصادر عقب الاجتماع ثمّن مواقف المكتب السياسي، خاصة ما يرتبط بالمرحلة السياسية المقبلة، كما رحب بالتعيين الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، معتبراً ذلك تجسيداً لمقتضيات الدستور واستمراراً للنهج الملكي في تنزيل المشروع الحداثي القائم على المساواة وتكافؤ الفرص.
لكن الرسالة الأكثر وضوحاً في موقف الكتابة الإقليمية ارتبطت بالانتخابات نفسها، من خلال الدعوة إلى تقييم نقدي وشامل وعميق لنتائج استحقاقات 23 شتنبر، ليس فقط من زاوية عدد المقاعد والأصوات، وإنما أيضاً من خلال تفكيك مختلف المراحل والظروف والممارسات التي أحاطت بالعملية الانتخابية.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الموقف الاتحادي، لأنه لا يتعامل مع الانتخابات باعتبارها محطة تنتهي بإعلان النتائج، بل باعتبارها تجربة سياسية وتنظيمية تستوجب المساءلة واستخلاص الدروس، سواء تعلق الأمر بأداء التنظيم، أو بالحملة الانتخابية، أو بالمنافسة بين الأحزاب، أو بالمناخ الذي جرت فيه العملية الانتخابية.
وفي لهجة أكثر صراحة، حذر الحزب من خطورة الفساد الانتخابي وتحوله إلى ظاهرة بنيوية، داعياً إلى تعزيز الرقابة وتكريس تكافؤ الفرص والتصدي للاختلالات التي يمكن أن تمس سلامة التنافس الانتخابي.
كما أعاد البيان إلى الواجهة إشكالية المال السياسي والممارسات التي قد تؤثر في إرادة الناخبين، مطالباً بمراجعة المنظومة القانونية المرتبطة بالعملية الانتخابية، وتشديد المراقبة على الحملات والإشهار والتمويل، ووضع ضوابط أكثر صرامة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
وهي مواقف تحمل، في بعدها السياسي، أكثر من مجرد انتقاد لظواهر انتخابية، لأنها تعيد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة الديمقراطية الانتخابية: هل تكون صناديق الاقتراع تعبيراً حراً عن اختيارات المواطنين وبرامج المتنافسين وكفاءاتهم، أم أن المال والنفوذ وشبكات المصالح يمكن أن تتدخل في صناعة القرار الانتخابي؟
وفي المقابل، حرص الاتحاد الاشتراكي بفاس على تثمين النتائج التي حققها الحزب، والتنويه بالمجهودات التي بذلها مناضلوه خلال الحملة الانتخابية، وتوجيه الشكر إلى المواطنات والمواطنين الذين منحوا ثقتهم لمرشحي الحزب وصوتوا لفائدة رمز الوردة.
غير أن لغة البيان لا تعكس رغبة في الاكتفاء بالاحتفال بالنتيجة، بقدر ما تكشف عن توجه نحو إعادة ترتيب البيت التنظيمي، وتعزيز الحضور الميداني، والاستعداد مبكراً للمحطات المقبلة.
فالرسالة التي يمكن التقاطها من بين سطور البيان هي أن الرصيد الانتخابي لا يكفي وحده لبناء حضور سياسي مستدام. الثقة الانتخابية تحتاج إلى حماية، والعمل التنظيمي يحتاج إلى تجديد، والقرب من المواطنين لا يمكن أن يكون موسميًا يبدأ مع الحملات وينتهي بإغلاق صناديق الاقتراع.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن الاتحاد الاشتراكي بفاس يريد الانتقال من منطق تدبير النتائج إلى منطق بناء المرحلة المقبلة؛ مرحلة عنوانها المراجعة، وتقوية التنظيم، والدفاع عن نزاهة المنافسة السياسية، واستعادة الثقة من خلال الحضور المستمر والعمل الميداني.
فالانتخابات انتهت، لكن أسئلتها لم تنته. والنتائج أُعلنت، لكن تداعياتها السياسية والتنظيمية ما تزال مفتوحة.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الاتحاد الاشتراكي بفاس هو قدرته على تحويل هذا التقييم إلى قرارات ومبادرات وممارسة سياسية جديدة، لا أن يبقى مجرد تشخيص لما جرى.
فبعد 23 شتنبر، لم يعد السؤال فقط: ماذا حقق الاتحاد الاشتراكي بفاس؟ بل أصبح أيضاً: ماذا سيفعل بهذا الرصيد؟ وكيف سيحول ملاحظاته وانتقاداته ودروسه الانتخابية إلى قوة سياسية وتنظيمية قادرة على خوض المرحلة المقبلة بثقة أكبر؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يبدأ من الآن.

