المغرب360 : محمد غفغوف
مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية للمجلس الجماعي لفاس ودخولها عامها السادس والأخير، تفرض حصيلة السنوات الماضية نفسها بقوة على النقاش العمومي داخل العاصمة العلمية، ليس فقط من زاوية ما تحقق من مشاريع، وإنما أيضاً من زاوية طريقة التدبير، وانسجام الأغلبية، وانتظام أشغال المؤسسة المنتخبة، وقدرتها على الاستجابة لانتظارات مدينة بحجم فاس.
خمس سنوات كانت كافية لتراكم عدد من الأسئلة التي لم تعد مرتبطة بدورة أو قرار بعينه، وإنما أصبحت جزءاً من النقاش حول النموذج التدبيري الذي عاشه مجلس جماعة فاس خلال هذه الولاية. فالأغلبية التي تشكلت من أربعة أحزاب سياسية، والتي يفترض أن تكون قاعدة للاستقرار والانسجام، واجهت خلال الولاية أكثر من محطة كشفت عن تباينات داخلية وصعوبات في تدبير التوافقات السياسية.
ولعل أكثر المؤشرات دلالة على ذلك ما أصبح يعرفه المجلس من غيابات متكررة للمستشارين، بلغت في بعض المحطات درجة حالت دون اكتمال النصاب القانوني. ففي يوليوز 2026، لم يحضر إحدى الدورات الاستثنائية سوى 37 عضواً من أصل 91، في وقت كان يتطلب فيه انعقادها حضور 46 عضواً، قبل أن يتكرر المشهد في الجلسة الموالية بحضور 32 عضواً فقط.
المشكلة هنا ليست في الغياب باعتباره رقماً في محاضر المجلس فقط، وإنما في دلالته السياسية والمؤسساتية، فعندما تتحول الدورة الاستثنائية إلى أكثر من جلسة بسبب عدم اكتمال النصاب، وعندما تتكرر المقاعد الفارغة في مؤسسة يفترض أن تكون في صلب تدبير الشأن المحلي، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى قدرة التحالف المسير على ضمان الحد الأدنى من الانسجام الضروري لاستمرار العمل المؤسساتي.

والأكثر إثارة للانتباه أن بعض هذه الدورات كانت تتضمن ملفات تهم المواطنين والجمعيات والأندية الرياضية ومشاريع المدينة. وفي دورة يوليوز 2026، كان جدول الأعمال يتضمن 20 نقطة، من بينها تحويل اعتمادات واتفاقيات شراكة مرتبطة بقطاعات مختلفة، قبل أن يحول عدم اكتمال النصاب دون افتتاح الأشغال في موعدها.
وبذلك لم تعد القضية مجرد خلاف بين مكونات الأغلبية، ولا مجرد تجاذب سياسي عابر بين الرئيس وبعض المستشارين، بل أصبحت مرتبطة بصورة المؤسسة المنتخبة نفسها أمام المواطنين.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال السنوات الخمس كلها في مشهد الغيابات وتعثر الدورات. فقد تمكن المجلس، في محطات مختلفة، من تمرير عدد من المقررات والميزانيات والمشاريع، كما أن تدبير مدينة بهذا الحجم يظل مرتبطاً بإكراهات إدارية ومالية ومؤسساتية تتجاوز أحياناً إرادة المجلس وحده. غير أن هذه المعطيات لا تلغي الحاجة إلى تقييم سياسي ومؤسساتي هادئ للحصيلة، خصوصاً ونحن أمام السنة الأخيرة من الولاية.
فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: من يتحمل المسؤولية؟ وإنما أيضاً: ماذا استفادت فاس خلال هذه السنوات؟ وما الذي تغير فعلاً في حياة سكانها؟ وهل تمكن المجلس من الانتقال من تدبير الملفات اليومية إلى بناء رؤية واضحة لمدينة تواجه تحديات متزايدة في النقل، والطرق، والنظافة، والإنارة، والتهيئة الحضرية، والمرافق الرياضية والثقافية، وجاذبية الاستثمار، وفرص الشباب؟
فاس لا تحتاج في عامها الأخير إلى المزيد من السجالات السياسية بقدر ما تحتاج إلى استدراك ما يمكن استدراكه. والسنة السادسة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد عد تنازلي نحو نهاية الولاية، أو إلى موسم مبكر لإعادة ترتيب الحسابات الانتخابية، وإنما إلى فرصة أخيرة لإغلاق الولاية بأكبر قدر ممكن من المسؤولية والوضوح.
أما المواطن الفاسي، الذي تابع خلال السنوات الماضية أخبار التحالفات والخلافات والدورات المؤجلة والمقاعد الفارغة، فمن حقه اليوم أن يطرح أسئلة أكثر بساطة وعمقاً: أين هي الحصيلة؟ ما هي المشاريع التي تحققت فعلاً؟ ما الذي تغير في الأحياء؟ ما الذي تم حله من مشاكل النقل والنظافة والإنارة والطرق والمرافق؟ وما هي الالتزامات التي بقيت معلقة؟
المواطن لا يريد أن يعرف فقط من حضر ومن غاب، ومن اختلف مع من، ومن ربح جولة سياسية داخل المجلس.
المواطن يريد أن يعرف ماذا ربح هو من هذه الولاية.
وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية المجتمع المدني والإعلام المحلي والفاعلين السياسيين والمواطنين أنفسهم. فالحصيلة لا ينبغي أن تكون ملكاً للأغلبية وحدها، ولا أن تتحول المعارضة إلى مجرد منصة للانتقاد، بل المطلوب هو وضع السنوات الخمس تحت مجهر النقاش العمومي، بالأرقام والوثائق والمشاريع والنتائج، بعيداً عن التصفية السياسية أو الحسابات الانتخابية.
فاس، بتاريخها وثقلها الرمزي والديمغرافي والاقتصادي، تستحق مجلساً جماعياً يحضر أعضاؤه عندما تستدعي الضرورة، ويتحملون مسؤولياتهم أمام الناخبين، وتكون فيه الاختلافات السياسية جزءاً من التداول الديمقراطي لا سبباً في تعطيل المؤسسة.
وفي النهاية، قد تنتهي الولاية الانتدابية، وقد تتغير التحالفات والوجوه والمواقع، لكن ما يبقى هو سؤال المدينة: ماذا قدم المنتخبون لفاس؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضراً اليوم، وهو أيضاً السؤال الذي سيحمله المواطن الفاسي معه إلى الاستحقاقات المقبلة، حين يصبح صندوق الاقتراع، مرة أخرى، مساحة لمساءلة خمس سنوات من التدبير، لا مجرد مناسبة لتجديد الوجوه والشعارات.

