قلم : محمد غفغوف
منذ أن غادرت الاتحاد الاشتراكي قبل سنوات، كان موقفي واضحًا لا لبس فيه: من يبتعد عن التنظيم يفقد حقه الأخلاقي والسياسي في الخوض في شؤونه الداخلية، فالمسافة التي نختارها بأنفسنا، تقتضي في المقابل احترام حدود التدخل، وواجب الصمت حين لا نحمل أي صفة تنظيمية ولا نعيش نبض الحزب من داخله.
تلك، في نظري، أبسط قواعد الأخلاق السياسية، التي تُلزم المناضل الحقيقي بالانضباط، حتى وهو خارج الإطار.
لكن ما يثير الاستغراب، وربما الاستهجان، هو أن بعض “الفضوليين” الذين لم يكونوا يومًا اتحاديين، ولم يقدّموا للحزب سوى الخطاب العابر، نراهم اليوم يتحدثون باسمه، وينصّبون أنفسهم أوصياء على أبنائه الأوفياء.
بل إن من بينهم من ينتمي إلى أحزاب أخرى، ويتحمّل فيها مسؤوليات تنظيمية، ومع ذلك يجد متعة في الخوض في شأن لا يعنيه.
وهنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل بات الاتحاد الاشتراكي مادة مفتوحة للتعليق لكل من أراد أن يختبر مهارته في التحليل السياسي؟
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس مجرد حزب عادي في المشهد المغربي، إنه ذاكرة وطنية، ومدرسة في النضال والفكر والسياسة، ومؤسسة من مؤسسات الوعي الجماعي التي ساهمت في بناء المغرب الحديث.
ومن الظلم أن يُختزل تاريخه في تعليقات موسمية أو حسابات شخصية ضيقة.
الاتحاد الاشتراكي، كما قال لي عدد من المؤتمرين الذين شاركوا في أشغال مؤتمره الأخير، قدّم نموذجًا ناضجًا في النقاش والديمقراطية الداخلية، حيث سادت روح المسؤولية، وكان الإجماع واضحًا حول استمرار إدريس لشكر ككاتب أول، حفاظًا على توازن الحزب واستمراريته في مرحلة دقيقة من التحولات السياسية.
ذلك الإجماع لم يكن وليد الإكراه، بل ثمرة نقاش وتنظيم ووعي جماعي بمصلحة الحزب ومستقبله.
ولعلّ الرسالة الأهم اليوم هي أن الاتحاد الاشتراكي لا يحتاج إلى “أصدقاء المناسبات”، بل إلى أبنائه الحقيقيين الذين خبروا دروب النضال، وعاشوا حلوه ومرّه، وحملوه في وجدانهم لا في منشوراتهم.
أما الآخرون، فالأجدر بهم أن يحترموا البيت الذي لم يسكنوه يومًا، وألا يزايدوا على رجاله ونسائه في الغيرة والوفاء.
الاتحاد الاشتراكي، في النهاية، ليس جثة يتنازعها المتفرجون، بل كائن حيّ ما زال يتنفس بروح مناضليه، وبإرادة من يؤمنون بأن الاختلاف لا يُفسد الوفاء، وأن النضال لا يُقاس بالضجيج، بل بعمق الإيمان بالفكرة وبقدرة الحزب على التجدد من الداخل.

