فاس : المغرب360
بعد سنوات من الفتور التنظيمي والغياب النسبي عن واجهة المشهد الحزبي المحلي، بدأ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمدينة فاس يستعيد حضوره بهدوء وثبات، مستندًا إلى دينامية تنظيمية جديدة أعقبت مؤتمره الإقليمي الأخير، الذي شكّل محطة مفصلية في مسار إعادة البناء الداخلي.
وقد أسفر هذا المؤتمر عن عودة مجموعة من المناضلين الاتحاديين القدامى، الذين كانوا قد جمّدوا نشاطهم السياسي في فترات سابقة لأسباب ذاتية وموضوعية، تراوحت بين الإحباط التنظيمي، والصراعات الداخلية، وتراجع الإشعاع السياسي للحزب محليًا. هذه العودة لا تحمل فقط بعدًا عدديًا، بل تضيف للحزب رصيدًا رمزيًا وتاريخيًا مهمًا، بالنظر إلى ما راكمه هؤلاء من تجربة نضالية وتأطيرية داخل التنظيم.

في موازاة ذلك، عرف الحزب ضخ دماء جديدة داخل عدد من قطاعاته الموازية، التي توجد حاليًا في طور إعادة هيكلة أجهزتها التنظيمية، في أفق تجديد وتقوية فروع الحزب بمختلف مقاطعات المدينة والجماعات القروية التابعة لها. ويُلاحظ في هذا السياق حضور ملحوظ لأطر شابة واعدة، من شأنها أن تشكل نواة جيل اتحادي جديد قادر على التفاعل مع تحولات المجتمع المحلي، وطرح قضايا الشباب والنساء والمجتمع المدني بلغة سياسية أكثر واقعية وقربًا من انتظارات المواطنين.
ولا تقتصر هذه الدينامية على الجانب التنظيمي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الفعل الميداني، حيث يستعد الحزب لإطلاق سلسلة من الأنشطة الرمضانية ذات أبعاد متعددة، تجمع بين الإنساني والسياسي والرياضي. وتشمل هذه الأنشطة مبادرات تضامنية تستهدف الفئات الهشة، وبرامج رياضية موجهة للشباب، إضافة إلى لقاءات فكرية تسعى إلى رد الاعتبار لما يسمى بـ”الذاكرة الاتحادية” بالعاصمة العلمية، في محاولة لاستعادة الرابط الرمزي بين الحزب والمدينة التي شكّلت تاريخيًا إحدى قلاعه السياسية الأساسية.
وتأتي هذه التحركات في إطار رؤية تقودها الكتابة الإقليمية للحزب، برئاسة محمد ياسر جوهر، والتي تسعى، وفق مصادر اتحادية، إلى إعادة الاعتبار لأمجاد حزب القوات الشعبية، حين كانت فاس تُصنّف كمدينة اتحادية بامتياز، وفضاءً حيويًا لإنتاج النخب السياسية والنقابية والثقافية المرتبطة باليسار الديمقراطي.

غير أن هذه العودة، بما تحمله من مؤشرات إيجابية، تفتح أفقًا واعدًا أمام حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لتحويل هذه الدينامية التنظيمية إلى حضور سياسي فعلي في الشارع الفاسي، واستعادة موقعه الطبيعي داخل المشهد المحلي، خاصة في سياق باتت فيه الساكنة في حاجة ماسة إلى بديل سياسي جاد وذو مصداقية، قادر على الترافع الحقيقي عن قضايا المدينة وهمومها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ويبدو أن المزاج العام داخل فاس، سواء لدى الساكنة أو النخب والمثقفين، يميل بوضوح إلى التطلع لعودة الحزب إلى دوره التاريخي، بعدما جُرّبت مختلف الهيئات والتحالفات التي تعاقبت على تدبير الشأن المحلي خلال ما يقارب أربعًا وعشرين سنة، وأثبتت في مجملها محدودية أدائها وفشلها في تحقيق انتظارات المواطنين، وهو ما يمنح للقيادة الإقليمية الجديدة فرصة حقيقية لاستعادة القلاع الاتحادية، ولمّ شمل المناضلين، وبناء نموذج سياسي متجدد ينطلق من فاس وساكنتها، ويعيد الاعتبار لفكرة النضال الحزبي النظيف المرتبط بالفعل المجتمعي الصادق، لا بمنطق المناسبات والانتخابات فقط.

